Yahoo!

القلب المعطاء

كتبها زينب الكردي ، في 23 ديسمبر 2006 الساعة: 01:54 ص

حسن فؤاد   بريشة حسن حاكم

القلب المعطاء

لم أكن أفهم تماماً سر إسرار حاكم على زيارة مؤسسة روزاليوسف كلما جئنا إلى مصر.

 لم أفهم إلا بعد أن شاركته التجربة وذهبت معه ورأيت بعينى ما يحدث كلما ألتقى برفاق عمره داخل جدران هذه المؤسسة العريقة.. علاقة إنتماء من نوع خاص ونادر تربط بين أبناء ذلك الجيل الذى لا أعتقد أنه سيتقرر ثانية أبداً.

بينهم كانت تعاد الحياة الرتيبة نبضها وحلاوتها.

زكريات أيام الصعلكة، معاناة البدايات. إصداء الزكريات وتشعر وأنت تصغى إليهم إلى حد كان أفراد هذا الجيل يتعاطف مع بعضه البعض.. من يملك يمد يده لمن لا يمك من يتعثر يفاجأ باليد المحبة تمتد إليه.. وفى الأمسيات رغم أى شىء يتقاسمون الضحكة واللقمة.. فى هذا العام بعد أن وصلنا إلى القاهرةكنا نمر قريباً من المؤسسة. فجأة قال حاكم : ما ر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

زهره الجنوب

كتبها زينب الكردي ، في 23 ديسمبر 2006 الساعة: 01:46 ص

 

 

 

إهــــداء

 

إلى الرجل الذى طالما احتمل قلقى وجنونى

إلى الفنان الرائع

 

حسن حاكم

 

 

 

 

زينب الكردى

 

 


 

 

 

زهرة الجنوب

 

 

جلس على الأرض ملصقاً ظهره للحائط. رأسه ترتاح فوق ركبتيه تحتضنان كلتا كتفيه لتخفيا الوجه بكل تفاصليه.

مرت هى وإحدى شقيقاته من أمام باب غرفته. توقفتا للحظة، وتأملتاه بإشفاق. إقترحت "نبرة" أخته أن توقظاه، وتطلبا منه أن يذهب إلى غرفته ليرتاح قليلاً فى فراشه. هى جذبتها بعيداً، برقة قائلة : "ليس نائماً فدعيه. رحلت، دون أن يودعها، وهذا يوجعه كثيراً…

 

تناهت إليه همهماتها. لم يرفع رأسه، وترك نفسه ينساب – دون مقاومة – لتيار الذكريات، وتداعيات الماضى. عشرات المواقف، والمشاهد تترى لخياله. تتوهج للحظات ثم تختفى لتحل أخرى مكانها. تتجسد بكل تفاصيلها، حتى ليكاد يمسك بكل مفرداتها، كما لو كان يراها من خلال "فلاشات" كاميرات التصوير. يحاول جاهداً أن يمسك بتلابيب الصورة، لكنها سرعان ما تبهت، وتتلاشى و .. تضيع !

"كانت دنياه الحقيقية، وكان فتاها المدلل، وعندما كانوا يلومونها ترد بإبتسامة حانية :

ـ غدا سيكون لكم أبناء، وستفهمون ما الذى يعنية آخر العنقود.

تصمت قليلا قبل أن تواصل فى أسى: "ووي عليكم" أتستكثرون عليه بعض الحنان، وهو الذى فطم منه قبل الأوان؟ ألا يكفى أننى لا أراه الا مرة واحده كل سنتين أو ثلاث..؟

"ياه!! ياه يا أماه.. كل هذا الحب، ولا يتاح لى أن أقول لك وداعا فى يومك الأخير؟ أن أدفن رأسى المتعب فوق صدرك الذى كان لى المرفأ، والملاذ ؟

 

"كانت غربته تضنيها ، ولا تجرؤ أن تبوح، خاصة فى حضرة أبيه، الذى كان يؤمن بأن الغربة ستصلب عوده، وتجعله رجلاً حقيقياً يعرف كيف يواجه مشاكله ويصنع مستقبله، وعندما وصلته البشارة من مصر بعلو شأنه، والشهرة الكبيرة التى حققها قال لأمه مزهواً :

- أرأيت ؟ لو أنه بقى هنا لأفسده تدليلك ! كنت ستجعلين منه نصف رجل. "كانت تفهمه، حتى دون أن ينبس بحرف ويوم أظهر تذمره من إصرار أبيه على تزويجه من أبنة عمه المطلقة، حاولت ساندته، لولا النظرة السريعة الخاطفة، التى أطلت من عينى أبيه، وسمرتها مكانها، ووأدت الحروف بين شفتيها، لكنها عندما إنفردت به عصر نفس اليوم – بعد أن خرج أبوه للصلاة – قالت بصوت هامس : أبوك يتصور أننى أعارض نكاية في الرجل الذي حاول يوماً تحريضه على الزواج، عندما كانا يعملان معاً فى الأسكندرية .. لا والله يا ولدى. لا والله، ليس هذا هو السبب.. أنا فقط لا أتصور أن يرتبط زينة شباب الشمالية من مطلقة. لماذا ؟ أعطنى سبباً واحداً يبرر تلك الفعلة! صحيح أنها صغيرة السن، لا ذنب لها فيما حدث، وزواجها نفسه لم يستمر لأكثر من شهر ونصف .. وصحيح أيضاً أنها لحمك .. لكن الصحيح أيضاً أنها – فى النهاية – "فضلة" رجل آخر!

صمتت لحظة ثم أردفت بحسم: هذا لا يعنى أننى سأبارك زواجك من تلك "الجوريتية"(*)، التى سلبتك عقلك فى مصر.. لا يا ولدى11 لو أضطررت للإختيار سأختار ابنة عمك".

"سامحينى يا أماه! إرتبطت بتلك "الجوربتية"، التى حكمتم عليها حتى قبل أن ترونها.. لم يكن بيدى! أحبها، وتحبنى، وتفهمنى أكثر مما أفهم نفسى. تتفهم طموحاتى. تحاورنى بلغتى، وتستوعب حتى جنونى. يشهد الله أننى أبداً لم أكن ابنا عاقاً.قرر لى أبى فأنصعت، وأصبحت إبنة عمى زوجتى أمام الله ..، لا .. أمام الناس فقط، أما الله، فهو وحده من يعلم بحقيقة ما يجمعنا معاً.. كل ما أتمناه يارب هو أن بسبل سترك على للنهاية، وتجنبنى لحظة يتسرب فيها الخبر "بدرية" وتكشف هذا الذى إقترفته فى حقها1"

 

أحس بوقع خطاها فرفع رأسه. كانت هى. تحير من قوة حدسه. كان يمكن أن تكون أية امرأة أخرى من اللواتى غصت بهن الدار.

لماذا خمن أن تكون هى بالذات؟ أهى صدفة، أم أن شعوره الداخلى هو … هل جننت يا "طاهر" ؟  أى شعور هذا ال .. لا .. لا أحمل لها أية مشاعر لا داخلية، ولا خارجية. لا شىْ على الإطلاق.

ظل محافظاً على وضعه، إلا أنه غير زاوية الرؤية قليلاً – عند دخولها ليتاح له متابعة ما يجرى حوله خلسة. رآها تتحرك داخل غرفة أبيه، بحذر، وعلى أطراف أصابعها. بدت كراقصة باليه فرعونية، دبت فيها الحياة فجأة فهجرت مكانها، ونزلت من فوق جدار المعبد لتتهادى على الأرضْ. مِن آن لآخر تلتفت ناحية أبيه، لتطمئن على أنه ما زال نائماً. تنسحب عيناه معها، ويتأمل العجوز النائم؟.. لهفى عليك يا أبى.. كيف ستمضى بك الأيام بعدها، أنت الذى لم تفارقها لحظة منذ جئت لتستقر هنا، بعد رحلة لهاث طويلة أهدرتها بحثاً عن لقمة العيش فى مصر من أجلنا نحن أبناؤك؟ غاب الأليف ونحن أيضاً بعد أيام ننسحب بعيداً عن عالمك، وتبقى مع الأحزان والذكريات وحدك.. ما الذي تريده تلك الفتاة من صندوق أمى؟ لشد ما تغير كل شيىء فيها قوامها الممصوص الذى ما رأيتها عليه يوم التقيتها فى الأسكندرية منذ سنوات. لم يعد نفس القوام. كل ما فيها إستدار وإستدق، وصار مفعماً بأنوثة لم يستطيع "الجرجار" ([1]) الأسود إخفاء معالمه، وتفاصيله. حتى ملامحها لم تعد نفس الملامح. أنت يا "طاهر"الذى لم تعد أنت! ما الذى جرى لك؟ مجرد التفكير فيها على هذا النحو يعد خيانة ل "بدرية". مالك أنت ومال ملامحها أو قوامها البض؟ انشغل عنها بأى شيىء … ما هذه الأوراق التى التقطها من الصندوق؟ هأ!! لا تنظر ناحيتى! ابنة "طماية" تتجاهلنى!! هنا ما كان ينقصنى. وما الذى يضايقك من تجاهلها؟ تستحق منها ما هو أكثر، وأنت تعلم ذلك. يكفى ما قلته لها فى أول لقاء. يكفى أنك بمجرد أنتهاء أيام العرس وسفرك إلى مصر لم تكتب لها ولو رسالة واحدة على مدى السنوات، التى غبتها عنها هناك. طبيعى أن تتجاهلك.

بمجردإنتهاء أيام العرس وسفرك إلى مصر لم تكتب لها ولو رسالة واحدة على مدى السنوات، التى غبتها عنها هناك. طبيعى أن تتجاهلك.

 فوجىء بها بعد أن غادرت الغرفة تعود بعد قليل، وبنفس الخطى الواثقة الحذرة، إلا أنها هذه المرة إتجهت إليه مباشرة، وتوقفت أمامه، ثم

نادت بصوت خافت. رفع رأسه ونظر إليها متسائلاً فمدت يدها إليه بورقة مطوية، وقبل أن يسأل عن فحواها قالت بنبرة جادة: لقد ارتأيت أن أسجل أسماء الذين جاملونا فى "الجنازة". ستجد أمام كل اسم قيمة المبلغ المدفوع. أما الذين وفدوا من الأقاليم البعيدة فقد سجلت أمام كل اسم ما أحضرته معها من شكائر الذرة والبازلاء والتمر .. كل التفاصيل ستجدها عندك…

 

شمل "طاهر" الورقة بنظرة خاطفة، ثم علق قائلاً بنصف إبتسامة: هل لى أن أوجه سؤالاً؟

- ممكن..

- هل حصلت على أى شهادة عامة.. الإعدادية.. الثانوية؟

- سؤال غريب. لماذا تسأل؟

- خطك جميل وواضح.

ردت بإبتسامة غامضة، وهى ترشقه بنظرة أكثر غموضاً: ألا ترى أن سؤالك هذا جاء متأخراً ثلاث سنوات كاملة؟ على أية حال لا أعتقد أن الإجابة ستفيدك الآن. حافظ على الورقة، فأختك الكبيرة تريد الإحتفاظ بها!

بعد أن خرجت إبتسم لنفسه، وهو يفكر فى كلماتها: "عندها حق. سؤال سخيف، وإستفزازى وأسخف منه التوقيت. ما الذى دهاك يا "طاهر"؟ أكان لابد أن تضيف لحماقاتك حماقة أخرى بهذا السؤال؟

***

 

 

 (2)

 

 

بعد طول محاولات مع النفس ومحاولات الأصدقاء قرر أن يذهب إليها بنفسه، ويصارحها بموقفه الرافض تماماً لهذا الإرتباط. "رأفت" صديقه وزميله فى المرسم هو الذى إقترح هذه الخطوة، ليضع حداً لعذابه وحيرته..

ذهب "طاهر" إلى الأسكندرية لكن عذم إلمامه بأسماء أحيائها وشوارعها كان سبباً فى إهدار ثلاث أرباع النهار، وعندما عثر على البيت أخيراً، كان التعب والإرهاق والغيظ قد نالوا منه.

 

عمه – يومئذ – لم يكن موجوداً. "دهيبة" هى التى إستقبلته بفرحة طاغية أثارت دهشته، خاصة أنهما لم يلتقيا من قبل. أخبرته بكلمات مبعثرة أن أباها قد سافر مع امرأته إلى "أسوان" ليعودا والدها المريض. يذكر أنه بعد أن قدم لها نفسه، فغرت فاها بفرحة ممزوجة بالدهشة، فغمغم لنفسه بغضب: "ومعتوهة أيضاً؟.. ويومها أخبرها بصراحة إقتربت كثيراً من الوقاحة بسبب الزيارة. قال لها إنه لا يحبها، وأن أخرى قد إحتلت قلبه منذ زمن، وينوى الإرتباط بها.

هى أصغت إليه دون أن تبدو عليها أى ردة فعل غاضبة. بعد أن إنتهى من كلامه الجارح رفعت رأسها إليه وواجهته بشموخ وعينان تلمع بين مآقيهما دموع عصية. نظرتها ورموشها المبتلة بالدمع جعلته يخفف قليلاًمن نبرته الجافة، الغاضبة، فقال بتوسل: لو كنت مرتبطة بأى إنسان هنا، ولا تملكين القدرة على البوح صارحينى، فأنا ابن عمك، وتهمنى سعادتك. لن أشى لمخلوق بسرك، وسأجعل الأمور تبدو كما لو أننى أنا..

قاطعته قائلة بحسم: ليس فى حياتى آخر، وأنا راضية بقرار عمى وأبى.

أغاظته الإجابة فرد قائلاً: وماذا عنى؟ أنا يا سيدتى لست راضياً. لن تعرفى معى أى طعم للسعادة، زواجنا لو تم سيكون صورياً. على الورق فقط، ولمجرد إرضاء أبى.

 

عقدت زراعاها ثم قالت وهى ترفع رأسها إليه بنفس الدرجة من الشموخ: أعرف أنك لا تحبنى، لكنك أيضاً لا تكرهنى. ما دمت تريد الصراحة، فدعنى أعترف لك بأننى لا أرغب فى الإرتباط بك أو بغيرك، لكنك أدرى منى بالتقاليد.. لا أنا ولا أنت بإمكاننا أن نقول "لا". أنا مضطرة لأن أقبل بأى شىء، مقابل مغادرتى لهذا المكان. عانيت كثيراً من مكر وإذلال زوجة أبى، ولم تعد لدى القدرة لأحتمل المزيد.. إسمع.. لم لا نعتبرها صفقة؟ أنت تتزوج بمن تحب، وأنا أسافر وأعيش بين أهلى وأهلك بإعتبارى زوجة ومادام الإرتباط سيكون على الورق فقط، فهو عز الطلب! بقائى هنا بدون زواج سيجعلهم يحومون حولى لتزوجى، وأنا لا أريد تكرار التجربة ثانية أبداً. أنت إبن عمى، ولن تجرؤ على إيذائى يوماً.

صرخ فى وجهها بَتَحدَّ، وقد تحولت فى عينيه إلى غريم يقف حائلاً بينه وبين سعادته: قلت لك لن أفرط فيمن إختارها قلبى و.. قاطعته بهدوء: ومن الذى طالبك بالتغريط! كلامى واضح. تزوجها، وعش معها فى القاهرة وثق أننى لن أشى بك، ولن أحملك أى عبء، ثم إنك لن ترانى إلا مرة واحدة كل بضع سنوات، وهذا لن يثير ريبة أحد فكلهم كذلك. تزوجها، وأعدك بأن أتصرف أمام أبويك وأهلك، كما لو كنت زوجة حقيقية.

 

ياه !! كيف جرؤ يومها أن يكون صريحاً هكذا؟ كيف إحتملت ذلك الموقف، وذاك التجريح، الغريب أنها أكملت معه الحوار بهدوء إستفزه، وظل طوال رحلة العودة إلى القاهرة يدمدم فى سره ساخطاً، لا عنا، متهماً إياها بالبروود وإنعدام الإحساس، وحتى زميله "رأفت" بعد أن حكى له عما دار بينهما علق قائلاً: واضح يا عزيزى أنها لم تحبك، لكنها تعمل بالمثل القائل "ظل رجل" هى فقط تطمع فى إسمك. أن تكون زوجة فلان أرحم من لقب "مطلقة فلان". أنت بالنسبة لها فرصة لن يتكرر!

 

هز "طاهر" رأسه بعنف، وكأنه يريد أن ينفض تلك الذكريات من رأسه إلى الأبد فغمغم لنفسه بضيق: "ما الذى جرى لك يا "طاهر"؟ الآن فقط توجعك الذكرى؟ الآن، وبعد أكثر من ثلاث سنوات؟ هل.. لا .. "بدرية" هى من أحبها، وأتوق إلى الإرتباط بها..

"كذاب! لا تدعى هذا أمامى. لو أنك كنت تحمل لى ولو ذرة من الحب لعجلت فى إتمام الزواج، بدلاً من تلك الحجج الواهية السخيفة، :ليست واهية يا "بدرية". يكفى أننى أقدمت على الخطبة من وراء ظهر عائلتى، وهى خطوة تعد فى عرفنا فضيحة. فى "حلتنا لا يجرؤ أى شاب، مهما علا شأنه أن يعصى أباه، ويبت فى أمر كهذا دون موافقته. لقد ربانا وعلمنا من لحم قلبه.

"كل الآباء يفعلون ذلك. هذا واجبهم. ثم أنك أنت الذى سيتزوج وليس هو..

دعك من أبى أنا. أبوك نفسه لا يقبل إتمام الزفاف، دون أن يتواجد أبواى أو أى منهما على الأقل..

"لا تجعل أبى تكأة، فخطوبتنا طالت، وهو نفسه بدأ يتذمر.
: لو قبلها أبوك أنا لن أقبل!! من أجل خاطر أولادى على الأقل. ستكون وصمة تلاحقهم. لن أجرؤ على زيارة "حلتنا" ثانية. سيكبرون وجذورهم مقطوعة!! لن أستطيع..

"وأنا أيضاً لن أستطيع الإنتظار أكثر تحت رحمة هذا ال "قراقوش"، الذى يحركنا بال "ريموت" من هناك!!

 

عندما وصل "طاهر" بتداعياته إلى تلك العبارة زم ما بين حاجبيه، بحركة لاشعورية، وهز رأسه بأسف. كيف جرؤت على التطاول. أبى أنا "قراقوش"؟ طنت فى رأسه كلمات العجوز"النوبية يا ولدى تعرف قدر الرجل. تخاف العيب! هل تقبل أى "جوريتية" أن تمد أصابعها الخمس، وتغمسهم فى طبق واحد مع أربعة أو خمسة أشخاص، لتأكل "الكسرة" و"الملاح"، وأن لا تصاب بالغثيان، ويبين على وجهها القرف؟ لا يا ولدى.. لسن كبناتنا. أتراه كان مصيباً؟..

 

لا. ليس إلى هذا الحد. "بدرية" أيضاً تخاف العيب، وتحترم التقاليد.. بل إن أهم ما شده إليها هو حياؤها وبساطتها.. فقط كانت مجرد زلة لسان، وأنا كان ينبغى أن أتوقف عندها بحزم، حتى لا يتكرر هذا التطاول.

.. لكنى كظمت غضبى ومررت الموقف.. آه يا أبى لو تستيقظ ولو للحظات. إشتقت لصوتك، وحديثك الذى ينساب إلى أعماقى، ويسربلنى بالدفء.. لو كان بيدى لما فارقتك أبداً.. وهل تطيق البعاد عن قاهرتك يا "طاهر"؟ لا.. لا يا قاهرتى الساحرة فقد أدمنتك. أوحشنى كل شئ فيك.. كل شئ: معارضك وأزقتك. مسارحك وندواتك.. وأنت أيضاً يا "بدرية" أوحشتنى.. أوحشتنى، حتى عصبيتك وشجاراتك. يا لك من طفلة يا حبيبتى. أتغارين من شغفى بكاتبة لم أرها أبداً فى حياتى، وقد يمر العمر كله دون أن ألتقى بها؟

 

لا.. لا تحاول أن تضللنى. لست عبيطة، ولا بلهاء. "رأفت" بنفسه فضحك، واعترف بأنك قد ذهبت فعلاً إلى تلك المؤسسة الصحفية فأخبروك بأن الوحيد الذى يعرف هويتها هو رئيس التحرير، وهو لن يبوح، لأنه عاهدها على ذلك!لم لم تصارحنى بأنك قد ذهبت، لو أن الأمر مجرد إعجاب؟ وعندما قامت نفس المجلة بإجراء لقاء صحفى معك، فوجئت بك بعد نشره تفتح المجلة على صفحتها هى وبعد أن قرأت مقالتها، بدأت تفتش عن موضوعك أنت.. ويومها علق "رأفت" تعليقاً ما زلت تذكره، متصوراً أننى لن أفهم مغزاه، لكنى فهمته.. هل تنكر؟ برئ والله" هو فعلاً ليس أكثر من إعجاب قارئ بكاتبه. لست مسئولاً عن تعليقات "رأفت" تعرفينه جيداً، وتعرفين مدى ميله للمشاكسة، والغمز واللمز. كيف أحبها، وأنا أشك أحياناً فى أنها رجل يوقع بإسم مستعار.. على أية حال ستتأكدين من الحقيقة يوماً أيتها الحبيبة الغيورة. غيورة؟ الحال من بعضه.. أنا أيضاً أغار.. هكذا هو الحب! ليس إلى هذا الحد.. غيرتها تتجاوز أحياناً حد المعقول وتتحول إلى قيد يخنقنى ويشلنى. حتى عملى بأت تغار منه فى الفترة الأخيرة، وتدعى أنه يأخذنى منها. أحسست بذلك أيام إنشغالى بمعرضى الأخير..

:عندما نتزوج سأخصص لك ركناً خاصاً. لن أزعجك بمشاكل البيت ولا الأولاد. ولن أفرض وجودى عليك سأقف بجوارك حتى تغدو أكبر فنان فى العالم كله.. ألم تكن هى تلك كلماتك..؟

:أعرف أنها كلماتى، لكننا نمر بأزهى فترة من عمرنا، ومن حقنا أن نحياها كأى عاشقين. من حقى أن تتفرغ لى.

ياه يا "بدرية".. أليس إهتمامى بعملى إلى هذا الحد دليل عملى على إهتمامى بك..؟ لا أريد لأولادى منك أن يعانوا، كما عانينا…

:وأنا لا أريد أكثر من أن يقترب كلانا من الآخر أكثر.

وأقول، وتقول. ألمح فى عينيها طبقة من الدمع تتأرجح بين حدقتيها، فأتراجع بسرعة، بل وأعتذر عن ذنوب لم أرتكبها. أنه الحب.. وأى حب! ياه يا "بدرية" شهر كامل لم أرك خلاله ولم أسمع فيه صوتك. أوحشتنى حتى خناقاتك الصغيرة الطفولية. هل إحتفظت لى بمقالات "زهرة الجنوب"، كما وعدتنى؟ أعلم – سلفاً – أنك حتى لم تحاولى، لكنى سأجد أكثر من تبرير فى إنتظارى! أرأيت كم أفهمك. على أية حال "رأفت" سيفعلها ويحتفظ لى بها. آه يا "رأفت" لكم أوحشتنى أنت أيضاً. لمن تحكى حكاياتك الآن عن حماتك التى تتفنن فى "التنكيد" عليك. لا لم أكن أتصور أننى سأفتقدك إلاى هذا الحد! سامحنى يا صديقى لإخفائى خبر زواجى من "دهيبة" عنك. خشيت أن ينفلت لسانك – كالعادة – وتشى بى بحسن نية وتعلم بالأمر وتكون الكارثة دائماً أنت كتاب مفتوح، لا تقوى على كتمان سر.


 

 

 

(3)

 

 

لم يكن باق على الإحتفال بليلة الأربعين أكثر من ثلاثة أيام، عندما إقترح "منعم" رفيق طفولته وصباه أن يفك إسار عزلته قليلاً، ويخرج إلى الشباب ليسمروا، ويتباحثوا فى مشاكل القرية، وهمومها، وإستعادة ذكريات الماضى. هو أرضاه الإقتراح. عاش أجواء الحزن حتى النخاع، وأصبح يشتهى الإنطلاق بعيداً عن الدار، ولو للحظات يثرثر خلالها مع أى إنسان، فى أى موضوع خارج نطاق الحزن والسواد الذى يكلل كل شئ، رغم ملابس الحداد البيضاء!

 

طلب من "دهيبة" أن ترتب هى لهذه السهرة، وأخبرها أن أبناء عمومته الصغار سيتعاونون معها بفرش الحصر فى "الوسعاية" التى تواجه الدار. قال لها ينبغى أن تشرف على كل شئ، وتجهز بنفسها الطلبات التى سيرسل بها إليها تباعاً مع أبناء العم. عندما أصبح قريباً من عتبة الباب الخارجى إستوقفته قائلة بطفولة:

- أتحب لحم الماعز..؟

- ومن ذا الذى لا يحبه؟

- إذن سنذبح لكم واحداً ونشويه لكم الليلة.

- رد مداعباً وهو يتظاهر بالدهشة:

- عنزة كاملة؟ ولم هذا الإسراف..؟

- مرة واحدة فى السنة لن تؤدى إلى كارثة كبيرة.

 

لم يستوعب ردها الأخير. فوجئ بنفسه يتأمل وجهها الضحوك وكأنه يراه لأول مرة. بدا له الأمر، كما لو أنه يشق باطن محارة فإذا بلؤلؤة نادرة تتوهج أمام عينيه وهو الذى كان يحسبها طول الوقت، مجرد محارة فارغة! هى حاولت جاهدة أن تتجاهل نظراته التى دغدغت كل عضلة فيها بعنف.، وجرت من أمامه إلى إحدى الغرف الجانبية. هو إنتبه لنفسه فجأة على حركتها، وإستدار خارجاً وهو يغمغم لنفسه: لماذا أضع كل تلك الحواجز بينى وبينها؟ من الممكن أن تكون - على الأقل – صديقة ممتازة. كيف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عيونى الليلة لا تعطى دمعا

كتبها زينب الكردي ، في 12 ديسمبر 2006 الساعة: 10:52 ص

 

 

 

 

عيونى الليلة لاتعطى دمعاً

 

 

 

 

 

زينب الكردى

 


اهداء

 

إليك ياحبيبتى …

يامن خلَّط الحليب بالتراب

ودس خلسة السم فى كئوسنا

وخان عهدنا القديم. وفرَّق الصحاب

وسلم إلتتر، أحلام شهر زاد

إليك أنتِ

يامن نسيتِ وعدك القديم لى

بأن تلملمى لأجلى المدى

وتزرعى الدروب فى عيوننا طلآ وسوسنا

إليك يا "منى"

إليك يامليكتى المتوجه

يامن بدون نية مسبقه

اغتلت فَّي كل مالدى. كل ماحلمت أو بنيت

حتى الشعور بالأسى، لأننى انتهيت

على يديك ياحبيبتى …

إليك.

… حتى نلتقى


فى اتجاه الشجرة

 

ولد خوفى منه فى اللحظة التى إنزلقت فيها من رحم أمى. آلاف الحكايات التى سمعتها عنه. غضبة الوحشى المفاجئ. غزواته العدوانية غير المبررة. نظرة الخوف والرجاء اللتان تلتمعان فى العيون، كلما جاءت السيرة.. شئ كالأسطورة!

أكثر من مرة حاولت أن التقى به، ولو فى السر، علَّنى أراه، ولو من بعيد. أعترف بأننى رغم الخوف بهرتنى سطوته. أحيانا كان يداهمنى إحساس ما بأن ماسمعته عنه – ربما- كان محض تهاويل .. الشر المطلق فى كائن ما مسألة شاذة.

مرة – فى الفجر- تجاسرت، وتسلك إليه. وقفت عند بابه، وتوسلت إليه أن يدعنى أدخل. قلت له إننى أحبه، وأننى لاأصدق كل مايقال عنه. ضحك ساخرا من وراء الباب، وقال بصوت مجسم أحاطنى من كل إتجاه: أنت تتوهمين! أقسمت له أننى أحبه. رد قائلا بنبرة رصينة محايدة. باردة: إذن قدمى البرهان. البرهان؟ أى برهان وكيف؟ إستطرد قبل أن يخرج السؤال من بين شفتى: أرينى مدى قدرتك على الإحتمال من أجلى، ولتعلمى منذ البداية أننى لاأقبل الجدل ولا المُساءلة، ولا أحِبُ أنصاف الحلول، وأتوقع ممن يرغبون فى الإنتماء لى أن يتنازلوا عن كل شئ من أجلى، حتى الحياة نفسها إن إقتضى الأمر. قلت له اننى سأفعل. هل عنيت حقا ماقلت؟ ربما … وربما لا.

فى طريق عودتى، فوجئت بمجموعة من الرجال يقفون عند عتبة دارى. رؤسهم صغيرة، ولكل منهم عين واحدة. هل كانوا فى إنتظارى؟ قبل أن اُخمن بالإجابة، تحلقوا حولى برشاقة. جرجرونى – رغم مقاومتى – الى الميدان، وانهالوا على جسدى ضرباً وتمزيقاً بالسياط فى وحشية. فقدت الوعى، وعندما افقت، فوجئت به يقف بعيداً، ويتأملنى فى إستعلاء. إبتسم لى إبتسامة غامضة ثم تلاشى. هل تلاشى؟ لاأذكر. ربما أنا التى عدت إلى الإغماء ثانية. لاأدرى، كل ماأدريه يقينا أنها كانت مرتى الأولى التى أراه فيها. الأولى، وبعدها أصبح طبيعيا أن يأخذونى كغيرى – الى الميدان، ويتبادلون جلدى حتى أسقط تحت نعالهم..

ومرت الأيام…

أحيانا كان ينسانى لشهور.. ربما سنين، وماأن يتذكرنى حتى يرسلهم إلىَّ. أنا بدورى كنت بمجرد أن أراهم عند بابى أستسلم، وأذهب معهم، دونما كلمة احتجاج واحدة. ربما لأننى أعلم بالنتيجة مقدماً. ربما بقايا كبرياء، وربما لأننى تعودت… لاأدرى.

آخر مرة. بعد أن تركونى منطرحة على أرض الميدان، وانصرفوا، انحنى علىَّ أحد المتفرجين تلفت حوله فى خوف، وبعد أن إطمئن لخلو الساحة مد يده وساعدنى على النهوض. قال وهو يسندنى بحنان: إنتظرت طويلا حتى أفقت..

تأملت عينه الكابيتين فإستطرد قائلا: لكم أنا حزين ياابنتى المسكينة.

لم أكن أعرفه، لهذا ادهشنى أن يُغامر بالإقتراب منى، أدهشنى أكثر أن يعلن حزنه من أجلى. وددت أن اسأله لم أقو… هو إستطرد قائلا: مايحزننى ليس جلدك، فكلنا…

لم يكمل. أشاح بوجهه، وعندما استدار إلىَّ ثانية كانت ثمةَّ دموع تلمع فى كبرياء بين مآقيه. تماسك بصعوبة قبل أن يتابع قائلا؟ مايحزننى هو أنك إنتهيت فعلا. بعد الآن ستعيشين الموت الكامل…

نظرت اليه بغباء فأكمل مفسراً بعد أن أًغمى عليك، تحلقوا حولك. رأيتهم بعينى يشقون صدرك ويخرجون شيئا كان يلمع بين أيدهم كلؤلؤة. لقد سرقوا منك الشئ الوحيد الذى كان يمنحك القدرة على الحلم..

حدقت فيه ذاهلة. لم أصدق. مددت يدى، ونزعت قميصى لأتأكد. كان ثمة جرح جديد لم تتخثر دماؤه بعد. شهقت فى يأس لاأذكر أننى إشتهيت الموت، كما إشتهيته تلك الليلة. وفعت رأسى وغغمت للرجل فى ذل: لماذا؟ قلت له إننى أحبه, فلماذا!

وكما أقنعت نفسى بأن الجلد قدرى – كما هو قدر كل سكان مدينتى – حاولت أن أقنع نفسى بتقبل وضعى الجديد. لم أستطع. بدأت مع تكرار المحاولة، وتكرار الفشل أتضاءل. أتحول إلى كائن هلامى. إلى دودة محاصرة داخل علبة زجاجية، تطل على العالم فى بلادة من خلف عالمها الزجاجى.. دودة: ترى. تسمع. تأكل . تتناسل، إلا أن كل ما يحدث خارج عالمها لايخصها. أحيانا، وللحظة وعى خاطفة أتوهم أنه يخصنى، وعندما يحدث ذلك أشعر كما لو أن قوة ماتعتصر قلبى فى قسوة، وأموء كهرة إفترسوا وليدها أمام عينيها.

ذات ليلة، زارتنى شقيقتى. عشرون عاما منذ افترقنا آخر مرة. فرقتنا رصاصة طائشة إخترقت الجمجمة وجندلتها فى لحظة على الأرض وهى تحفر التراب بأظافرها فى ألم، وإنقلب العرص إلى مأتم. هرب شقيق العروس ببندقيته وقُيد الحادث ضد مجهول، بعد سنة ظهر القاتل فى الحى من جديد ليمارس – وبشكل عادى – تجارته القديمة، كقواد وأكبر تاجر للمخدرات.

اندست شقيقتى فى فراشى،وضمتنى بحنان، دون أن تنبس بحرف. قبل الفجر انسلت بهدؤ: امسكت بطرف ثوبها خذينى معك لاتتركينى هنا فأنا لم أعد حتى أنتمى لنفسى. لقد حولونى لخفاش. جنس ثالث. عندم ستكون لى هوية. لم لا؟ على الأقل لن يبحث عنى أحد ليجلدونى.

تحسست شعرى وتساءلت بحنو: لم لاتفكرين بالهجرة؟

   : لأين…؟

   : أى مدينة مجاورة

   :يخافونه، وليؤكدوا الولاء له سيلقون بى فى قيعان الأودية لتنهشنى النسور حية

تحيرت قليلا ثم قالت: جربى أن تصرخى، وبأعلى صوتك. ستتحرر روحك وتصبحين أفضل، وإذا فشلت جربى الصلاة، واركعى لسيدك.

أصرخ؟ أنا؟ واذا سمعنى؟ إستطردت، كأنها قرأت افكارى:

   :عند حدود بلدتنا شاطئ مقدس، لم ولن تطؤه قدم سواك. ثمة شجرة مباركة، تقع فى إتجاه القبلة أسهر عندها كل ليلة واقرأ الأذكار. اذهبى إليها وجربى. ستحدث المعجزة، وتُعاد لك قدرتك السلبية. ستخترقين الحاجز الزجاجى.

وذهبت..

إستمرت رحلتى خمس وثلاثين سنة. رغم الأهوال تجلدت، وعندما وصلت إلى الشجرة المباركة جلست لأرتاح. بعد لحظات إكتشفت أننى سعيت لراحة البدن، بينما أشقيت روحى بما لايطاق. كانت حدقتا عيناى مفتوحتان عن آخرهما تتأملان البحر والأمواج، بينما أحداث عمرى كله تتجسد لى يوماً بيوم. ماأبشع أن تكتشف فجأة حقارة السلالة التى تنحدر منها. أى أسرة تلك التى أنتمى إليها؟ الجد قرصان, والأم امرأة لعوب قبلت أن تكون عشيقة لجلادى بحجة التأثير عليه كى لايتعرض لى. حتى أبى الصالح هام على وجهه مخلفا ورائة إشاعة تقول بأنه سيرجع فى الوقت المناسب ليبحث مشكلتى. شريط عمرى كله يتوالى أما عينى. أهو جلد من نوع آخر ام تراه التطيهر.

فجأة لاح لى بإبتسامته الغامضة. لم أحتمل وإنتفضت واقفة. صوت شقيقتى يرن داخلى مُحرضاً:

"أصرخى، وبأعلى صوتك، واذا فشلت.." لاياحبيبتى، لن أفشل.

سأصرخ، وستخرج مع الصرخة كل أحزانى الصدئة. سأصرخ ملأت صدرى بالهواء، وتهيأت لأطلاق صرختى البكر. جبنت . كررت المحاولة. جبنت. كررت جبنت درت حول نفسى فى غضب ثم إنكفأت على بطنى أمرغ وجهى فى الرمل البارد وأدق الأرض بكلتى راحتى فى غيط: لماذا؟ كان الشاطئ خاليا إلا من طيور النورس فلماذا جبنت؟ لماذا؟ حانت منى التفاتة إلى الوراء. ثمة كلب أسود بدا عليه الإرهاق، يرقب فى دهشة أفواج الأسماك الصغيرة وهى تقاوم عبثاً اندفاع الموج العاتى. كلما إرتفعت موجة القت بمجموعة على الرمل، وبسرعة تأتى موجة أعلى تسحبها للداخل ثانية لايبقى مكانه إلا السمك الميت. من جاء بهذا الكلب الى هذا المكان ليدنسه؟

بدا أن الكلب قد فوجئ بى، كما فوجئت أنا. تأملته بقرف، فنبح فى وجهى بأعلى صوته. إستفزتنى قدرته على النباح. إنحنيت على الأرض لألتقط حصاة أرميه بها. كمن خمن ماأنتويه ضده رمقنى فى إزدراء، وإستدار راجعا وهو يهز ذيله فى لامبالاة! إستفزتنى النظرة أكثر من نباحه العالى. صوبت فى إتجاهه ورمبيته بالحصاة، الا أنها أخطأته واستقرت بعيدا عنه..

المساء يزحف ببطء، ومشوار العودة طويل، وممل. تذكرت أن ثمة راديو صغير فى جيب معطفى. أخرجته، وإحتضنته بفرح. حيرتنى فرحتى، أدهشتنى. هذا الشئ الصغير الذى أمسك به بين أصابعى الآن أخرجته من دائرة اهتماماتى منذ زمن طويل، فلماذا فرحت به الآن؟ هل تتغير نظرتنا للأشياء بتغير الظروف ربما.. أو ربما هو إحساسى الداخلى الخاص بأننى فى هذا المكان بيدى أن أختار القناة التى تروقنى. أى قناة فى الدنيا أو محطة لاأسمع فيها إسمه، على مدار اليوم كله. فى مدينتى يفعلون ذلك مما جعلنى أقاطع كل الاجهزة السمعية والمرئية على حد سواء بعد أن اكتشفت أنهم يسربون أخباره حتى فى برامج الاطفال. إمتدت أصابعى تفتش عن محطة ملائمة. أى شئ يغسلنى من الداخل ويُعيد لى توازنى. تمثيلية .. أغنية .. أى شئ، المهم أن أتجاوب، وأكف عن التفكير فيما أنا فيه. أول محطة إستجابت لأصابعى. إنبعثت منها موسيقى حلوة, لطالما أحببتها لتشايكوفسكى. قطع اللحن صوت فخور متباهٍ  يقول فى كبرياء: "شمس العرب على الغرب" برنامج مـ …. أدرت المؤشر بسرعة. أمى ينادونها بشمس، وأنا لااريد شيئا يذكرنى بها. هربت أصابعى لقناة أخرى. صوت هادىء ينساب ببضع كلمات رقيقة من الشعر. الشعر مقتلى. ترى لمن الكلمات؟ قبل أن يكمل البيت الثالث نطق باسم الشاعر. جلجلت ضحكاتى وتردد صداها فى المكان الخالى على الشاطئ. توقف الكلب واستدار ناحيتى مندهشاً. قلت له بمراره: لو أتيح لك أن تفهم لضحكت مثلى. إنهم يتحدثون عن جدى! طالما تحدثوا عنه كفارس نبيل لم تُخذَلْ له ضربة رمح، ولكنهم الآن يتحدثون عنه الآن كشاعر؟ جدى أنا شاعر! هذا العربيد الذى ماإهتزت جوانحه الا بعشق الغلمان شاعر!!!! لم يعبأ الكلب بى. انصرف بتؤدة وهو يهز ذيله. عادت أصابعى تفتش عن قناة أفضل "وانا ذنبى ايه بتخلص فى لـ…" كيف لم أفكر بذلك من قبل! لعله هو أيضا يتعرض للجلد.. "صابر على الذل و…" … فجأة نبح الكلب. ضحكت بمرارة. ثمة كائن تجاوب أخيرا (!) صمت المغنى فجأة. سادت لحظة صمت أعقبها صوت خشن قال بصرامة: بيان موجه الى سيدة الشاطئ "يسرنا باسم سكان مدينتنا الشرفاء أن نُعلن عن عفونا الكامل عن السيدة التى تعرف نفسها، نعلن عن قبولنا لأن تنتمى الينا بعد عودتها لتحيا فى مجتمع الرفاه والعدل المطلق" برعب بلا حدود له أغلقت الراديو وتلفتت حولى. مامن أحد :إلا الكلب. أتراه يعنيى أنا؟ العفو يعقب إرتكاب الذنب، فما ذنبى الذى أرتكبته؟ لماذا أغلقت "الراديو"! طبعا موقف هروبى! .. يجب ان أفتحه من جديد فربما أعادوا البيان. أو ربما علَّق أحدهم عليه. من خلال التعليق ربما يتاح لى أن افهم سر هذا البيان الغريب. عدت الى الإصغاء من جديد. كان هناك تعليق بالفعل: "… هذا وقد كان على سيدة الشاطىء أن تتعمق قليلا فى رسالة شقيقتها. قالت لها عند حدود مدينتنا، ولم تسألها أى مدينة. مدينتكم أم مدينتنا؟ قالت لها أصرخى، وكان يتحتم عليها أن تدرك بداهة أن من اعتاد الهمس لن يقوى على الصراخ أبداً .. وقالت لها إن فشلت إركعى لسيدك، ونرجو أن تكون قد عرفت الآن من هو سيدها الذى ينبغى أن تركع له.. ان …"

"هذه الكلمات موجهة الى! كل كلمة تنطبق على وحدى.. وهذا الصوت أعرفه، كيف؟ المحطة ليست تابعة لمدينتى. لابد من تفسير ما! أيعقل أن تعمل كل القنوات لحسابه الخاص؟ لابد أن أركز قليلا وأتذكر اين سمعت هذا الصوت من قبل إنه هو. نفس النبرة الباردة الرصينة. أيعقل أن يقرأ بنفسه البيان؟ حتى بعد أن إنتهى التعليق عاد يذيع بنفسه نشرة الأخبار: "… وتقول رويتر أنه قد تخلفت عن المذبحة التى خطط لها ونفذها العدو الآف القتلى والضحايا معظمهم من النساء والأطفال" ضحايا؟ مرة أخرى؟ ضحايا ياأولاد الـ…، وبلا وعى طوحت بالجهاز الصغير فى الهواء، ليستقر فى أعماق الخليج عند الشجرة بالضبط، ثم تابعت سيرى وحيدة إلا من نباح الذى ظل مصرا على أن يتقدمنى طول الوقت. عند نهايةالشاطئ توقفت. التفت خلفى لألقى نظرة أخيرة على المكان ثم تابعت السير. فجأة توقف الكلب. تمسح بأقدام رجل بدا لى أنه حارس الشاطئ. هيئته من الخلف. ذقنه البيضاء الذى ظهر لى جزء صغير منها تدلان علىالمهابة والجلال. عندما حازيته التفت اليه فى وجل لأحييه إلا أننى بمجرد أن التقت عينانا عدوت هاربة، وكل خلية فى جسدى تتقيئونى. كان قواد مدينتنا. قاتل شقيقتى، وكان بعين واحدة!".


فى مواجهة الحائط

 

عشر سنوات مرت، منذ رأيته آخر مرة. ها نحن نلتقى مرة أخرى، كل فى مواجهة الآخر.. أنا، وهو و… ثالث ليست لديه أى فكرة، عماجمَّعنا وفرقنا، ذات يوم التقط، بوضوح، بعض كلماته، ويضيع منى بعضها الآخر.. كجهاز "تلفاز" خرب، تختلط فى ذهنى الأحداث والمواقف. أفكر لثوان فى أشياء ليست لها أى علاقة بالموقف الغريب الذى أواجههه الآن.

يقول متحاشيا النظر الى: طالت غيبتكم، وإشتقنا اليكم..

يرد أخى، دون أن تفارقه إبتسامته: هكذا أراد لنا الله.

يصمت أخى لحظة ثم يردف مفسرا: فى الواقع، وجدنا الراحة هنا والإستقرار أيضا. نوال بعد ان مات زوجها، كان لابد أن تكون فى رعاية أحد. طلبت منها أن تجىء، لتعيش معى، فهداها الله .. ووافقت. الحياة هناك أصبحت صعبة، وكان من المستحيل – لكلينا – أن تستمر.

والحمد لله.. يابنى، اتضح أن الدينا هى التى تسيرنا، لانحن.

علق جلال قائلا بحزن: أكاد أنكر فيك عادل الذى عرفته. أين عادل الذى كان يردد دائما "نحن الذين نخلق الشمس" .. نسيت؟

يرد أخى بمرح مفتعل: كان طيشاً ياابو "الجلاجل" عِقِلْنَا، وفهِمْنَا.. وعرفنا انها بنا، أو من غيرنا، طالعة.. طالعة

   :إذن ليست عيوننا هى التى تجعلها موجودة؟

   :كلام، كنا مغرورين.. حتى الأعمى، يعلم أنها موجودة..

   ألله!! مالزوم الفلسفة. هل نحن الذين خلقناها. تطلع.. تنزل هى حرة ياأخى

يتساءل من كان حبيبى يوما: المهم ماهى أخبارك؟ مما قرأته فى الصحف.

من الصحاب الذين يعملون هنا – عندما ينزلون مصر فى الصيف – عرفت أنهم بدأوا يشعرون هنا بقيمتك. صحيح؟

يرد أخى فى لامبالاة: يعنى .. مع الوقت يمكن للإنسان أن يأخذ مكانه.

دخل إبنى احمد، والتصق بأخى الذى إحتواه بإحدى ذراعيه فى حنان، قائلا:

   : ماالخبر. نسيت عمو "جلال" يالك من خائن صغير.

تملص صغيرى خجلا وهرع لأحضانى، وعاد جلال يقول متسائلا:

   : وانت، ألم تنو بعد؟

رد أخى، وقد فهم مايرمى اليه: لا. مالذى فعله الزواج للذين جاوءا قبلنا وتزوجوا… حدوته ليس لها أى معنى إما ان تكون فنانا، أو زوجا وأبا عطوفا طيبا .. الإثنان معا، مكابرة لاداعى لها.

رد، وكأنه يدافع عن نفسه: مهماطال الزمن، لابد للرجل أن يصبح اباً فى يوم ما

يرد أخى بسرعة: ومن قال لك أننى لست كذلك، الآن. أنا أب ممتاز، والله العظيم .. اسألها.

يختلس جلال الى، والى صغيرى، نظرة مترددة قصيرة، ويخيم صمت يقطعه أخى قائلا:

كيف حال إحسان وزوجها وأولادها وباقى اخوتك .. وكيف حال عايدة زوجتك وبناتك .. سمعت إنك اتحفت البشرية بـ…..

يقاطعه جلال، مكملا فى إقتضاب: بنت. أسموها نهاد.

يعلق أخى مازحا: "خلفتك" كلها بنات "ياجلجل" .. يبدو أن مافعلته فى بنات الناس، سيكون فى إنتظارك. أتعلمين يانوال. هذا الملعون كنا نسميه أيام الكلية "الحدأة". كنا نخاف منه, ونعمل لوجوده ألف حساب، ويحرص الواحد منا ألا يريه فتاته، إلا بعد أن تنتهى الأمور تماما، ويضع النقاط على الحروف.

تنفلت حواسى منهمامعا. أنسحب الى داخلى، لأفكر فى الآخر، رغما عنى. "ترى ماالذى يفعله الآن؟ هل ضايقه غيابى؟ لعل بعادى أراحه، وأراحها. لعله انتهز الفرصة، وصالحها. آه، لو يتاح لى أن أعرف سر هذا الذى يربط بينهما. هناك شئ ما مؤكد، لكنى لاأفهمه! شىء يحرص على إخفائه. لماذا؟ لم أجبرُه على شىء. هو الذى بدأ: زهرة القرنفل التى كان يحرص على تركها فوق مكتبى كل صباح. نظراته الصامتة التى كانت تخاطبنى بلغة كدت أنساها منذ زمن. وجهه، الذى يحتقن، كلما توجهت بكلماتى لزميل آخر.. يتهامسون فى المؤسسة، كلما لمحوهما معاً.. زميلتى فى المكتب تعمدت وهى توصلنى بسيارتها الى بيتى أن تنحرف الى أحد الشوارع الجانبية، وتتوقف أمام بناية معينة، وهى تبتسم بخبث قائلة: انظرى. سيارة من هذه؟

كانت سيارته هو. أما البناية فقد كانت البناية التى تقطنها هى. بعد أن واصلناالسير قالت يومها إنه يقضى معظم الوقت عندها.

ورغم النار التى إندلعت فى قلبى، تماسكت، وقلت ببراءة: لاداعى لأن نُسىء الظن بامرأة متزوجة. من أدرانا. لعله صديق لزوجها. لعل هناك صلة قربى لاندريها.. ربما.

أفقت من أفكارى، على صوت أخى يقول مستنكرا-:

   نوال، ماالخبر؟ جلال يتوجه اليك بالكلام، لفم لاتردين عليه؟

   :أنا؟ افندم.

يكرر السؤال ببطء. عيناه مثبتتان فوقى. أتصدى للنظرة، وكأنى أتحداه. يأتينى الصوت المتسائل:

كنت أتساءل متى تقررون العودة الى مصر.

   :وماالذى يجعلنا نفكر فىالعودة اليها. لم يعد لنا فيها شىء.

بمجرد أن أنهيت عبارتى شعرت – بينى وبين نفسى – بالإنزعاج. أأنا فعلا التى تكلمت الآن. وبهذه القسوة، وهذا الجفا. أنا؟. من كان يصدق أن يأتى يوم أتصرف فيه – معه بالذات – على هذا النحو.. من؟ هو لاحظ أن ثمة تغيير ما طرأ على فقال بحنان: أبدا، والله. لكم فيها الكثير.

          كل مافيها يحن اليكم.

أخى يربت على إحدى فخذيه، قائلا، بإمتنان: هذا مايقوله الصديق الواقع يقول غير ذلك. غادرتهم، لألوذ بغرفتى فى رعب ".. ماالذى يريد أن يقوله بالضبط؟ وماالذى أتى به الآن؟ بعد كل هذه السنوات. غريبة هى الحياة! أنا التى اسأل عما أتى به الآن. بعد كل ه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

زينب الكردى

كتبها زينب الكردي ، في 22 نوفمبر 2006 الساعة: 02:36 ص

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

zeinab

كتبها زينب الكردي ، في 21 نوفمبر 2006 الساعة: 00:30 ص


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

zeinab

كتبها زينب الكردي ، في 21 نوفمبر 2006 الساعة: 00:30 ص


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مبروك على الموقع

كتبها زينب الكردي ، في 1 نوفمبر 2006 الساعة: 09:48 ص

وفاء حلمي

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سيد النساج

كتبها زينب الكردي ، في 23 ديسمبر 2006 الساعة: 01:58 ص

هذه هى المجموعة القصصية الأولى للكاتبة السودانية زينب الكردى. وقد صدرت مؤخراً 1985 عن دار العربى للنشر والتوزيع بالقاهرة. وصاحبة المجموعة – كمات تقول كلمات الغلاف – مارست العمل الصحفى بالكويت منذ عام 1968 فى صحف ومجلات متنوعة "سيدتى" "حياتنا" "السياسية"، "القبس" كما تنشر لها صحيفة "الوطن" رواية مسلسلة بعنوان : "لحظة مواجهة": وهى ألآن تعمل مندوبة لمجلتى "سيدتى" و"المجلة" وصحيفة "الشرق الأوسط". ولعل هذا هو السر فى أن المجموعة تبدوا كما لو أنها صادرة عن كاتبة متمرسة، سبق لها أن قدمت تجاروب ومحاولات فى الكتابة. إذ أن قارئى هذه المجموعة يفاجىء بما يمكن ورائها من وعى فنى ووعى إجتماعى، وفى آن واحد:

 

عيوني الليلة لا تعطى دمعاً

                             زينب الكردي

بقلم : د. سيد حامد النساج

فليس ثمة عيوب صارخة من حيث البناء الفنى للقصة القصيرة. وليس نمة خلل فى زوايا الرؤية التى تنظر منها الكاتبة إلى الإنسان، والأشياء، والأمور، والمواقف. وهى سمات قد يلاحظها النقاد – عادة – فى القصص التى تقدم نفسها إلى الجمهور القارىء لأول مرة. أن الأمر هنا مختلف تماماً. وكان المجموعة سبقتها مجموعات ومجموعات:

هناك وحدة فنية وموضوعية وشعورية تهيمن على معظم قصص المجموعة:

والكاتبة تبدو حريصة على أن تقدم "الشخصية" فى موقف بعينه. وفى زمان محدد. وفى مكان واحد لا يتغير، وهى لحظه شعورية معينة. "فى إتجاه الشجرة"، "فى مواجهة الحائط"، "مثلكم يتأرجح قلبى فى الليل"، "عيونى الليلة لا تعطى دمعا".

و"الشخصية المحورية" فى هذه المجموعة، من خلال معظم قصصها القصيرة، تكون – دائماً – فى مواجهة شىء ما : حائط، سلطة روحية، سلطة سياسية، قيود إجتماعية، حواجز نفسية. هناك مجموعة كاملة ومتحدة من السدود والحواجز الصلبة المنيعة، تكون – بإستمرار – فى مواجهة الشخصية وتتجسد الشخصية غالباً فى شخص إمرأة. وهذه القيود تمثل حصاراً خانقاً يحيط بالبطلة ويطاردها ويجثم على أنفسها حينما كانت، وفى كل لحظه، وفى كل موقف. وهى لا تملك إزاءها إلا الرفض أو الصراخ "فى إتجاه الشجرة". رفض كل شىء. النفاق الرياء الإجتماعى، الإعلام غير الصادق والكاتبة تؤمن – من خلال القصص – بأن الهروب لا قيمة له. السلب لم يعد يجدى. حتى الصراخ لا فائدة منه. ففى قصة "فى مواجهة الحائط" هناك حزن دفين؟ لكن القوة تنتصر فى النهاية إذ سرعان ما يتحطم الحائط بهدو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الملكة تستعد للرحيل - قصة قصيرة

كتبها زينب الكردي ، في 23 ديسمبر 2006 الساعة: 01:14 ص

" الملكة  تستعد للرحيل  "

 

 

 

يوماً بليداً لزجا كمعظم أيام أغسطس ، لكن الحياة بكل تفاصيلها اليومية الخانقة المملة تزحف على الصدر .

قررت أن أخرج من مكمني الإختياري وألتقي – ولو للحظات – بأسرتي الصغيرة .

يمر النهار وربما جزء كبير من الليل دون أن نتبادل كلمة إلا في حدود الضروري . تجاربي اليومية و حصاد المواقف معهم دفعاني لقرار الإنعزل عنهما – قدر الإمكان – لأحافظ على شعره معاوية التي تبقت لنا في علاقتنا ، وأنا أدرك أن ينابيع التواصل بيننا قد جفت ، رغم أننا ثلاث كائنات فقط أو بمعنى أصح ثلاثة جزر منفصلة تعيش تحت سقف واحد .

أنا تجاوزت مرحلة أن تكون لي رغبات أو حياة خاصة ، لذا أصبحت غرفتي هي جزيرتي التي أعيش بين جدرانها شبه راضية ، لكنني في تلك اللحظة بالذات إشتقت للتواصل مع هؤلاء الذين أطعمتهم لحم قلبي ومازلت أنتمي إليهم وكانوا – يوماً – ينتمون إلي .

قلت لنفسي فلأخرج وأجلس مع إبني قليلاً ..

غادرت غرفتي ، لكني بمجرد أن جلست بالقرب منه أشاح بوجهه للناحية الأخرى . وضح لي أنه لا يرحب بوجودي ، لكني تشبثت بالأمل .. قد تنفجر داخله هو أيضاً طاقة حب مفاجئة كالتي تمور داخلي الآن .. ، وربما يريح رأسه على حجري كما كان يفعل في السابق .. من يدري .

فجأة دق جرس محموله وفهمت من الحوار أن شقيقته هي التي على الطرف الآخر . سمعته يطلب مها هامساً – برجاء حتى لا أسمعه – أن تحضر له " باكو " شيكولاتة كالذي فقد منه منذ يومين . شعرت نحوه بحنان وأمومة لجارفة وتمنيت لو أمنحه عصارة روحي لو أرادها . مازال طفلي الذي يعشق " الشيوكلاتة " إلى حد الهوس .

نهضت وأحضرت له " باكو " الشيكولاتة ، وكنت أنا التي خبأته عنه . سألني : لماذا خبأته ؟ صارحته بأنني لا أريد له أن يسمن أكثر مما هو عليه فهو مولود بعيب خلقي في القلب وقرر الأطباء أن الثقب الذي يعاني منه سيلتئم من تلقاء نفسه مع الوقت ، وإن المهم هو أن لا يسمن أو يتعرض لنزلات البرد .

تأملني بغيظ وبدأ يسمعني وصلة غريبة عن الحرية الشخصية وعن ضرورة أن يقرر هو – لا أنا – إن كان يريد أن يكون سميناً أم لا ، وأنني يجب أن أتخلى عن تسلطي والتدخل في شئونه لأنه قد أصبح يافعاً .

حاولت أن أشرح له دوافعي وأن الحب وحده وخوفي عليه هما اللذان .. لكنه قاطعني ساخراً :

: الحب ؟ ترتكبين كل جرائمك بإسم الحب . الحب عندك حبل تلفينه حول رقابنا حتى نموت بإسفكسيا الخنق .

ن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

zeinab alkordy

كتبها زينب الكردي ، في 21 نوفمبر 2006 الساعة: 00:06 ص


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي