عيونى الليلة لاتعطى دمعاً
زينب الكردى
اهداء
إليك ياحبيبتى …
يامن خلَّط الحليب بالتراب
ودس خلسة السم فى كئوسنا
وخان عهدنا القديم. وفرَّق الصحاب
وسلم إلتتر، أحلام شهر زاد
إليك أنتِ
يامن نسيتِ وعدك القديم لى
بأن تلملمى لأجلى المدى
وتزرعى الدروب فى عيوننا طلآ وسوسنا
إليك يا "منى"
إليك يامليكتى المتوجه
يامن بدون نية مسبقه
اغتلت فَّي كل مالدى. كل ماحلمت أو بنيت
حتى الشعور بالأسى، لأننى انتهيت
على يديك ياحبيبتى …
إليك.
… حتى نلتقى
فى اتجاه الشجرة
ولد خوفى منه فى اللحظة التى إنزلقت فيها من رحم أمى. آلاف الحكايات التى سمعتها عنه. غضبة الوحشى المفاجئ. غزواته العدوانية غير المبررة. نظرة الخوف والرجاء اللتان تلتمعان فى العيون، كلما جاءت السيرة.. شئ كالأسطورة!
أكثر من مرة حاولت أن التقى به، ولو فى السر، علَّنى أراه، ولو من بعيد. أعترف بأننى رغم الخوف بهرتنى سطوته. أحيانا كان يداهمنى إحساس ما بأن ماسمعته عنه – ربما- كان محض تهاويل .. الشر المطلق فى كائن ما مسألة شاذة.
مرة – فى الفجر- تجاسرت، وتسلك إليه. وقفت عند بابه، وتوسلت إليه أن يدعنى أدخل. قلت له إننى أحبه، وأننى لاأصدق كل مايقال عنه. ضحك ساخرا من وراء الباب، وقال بصوت مجسم أحاطنى من كل إتجاه: أنت تتوهمين! أقسمت له أننى أحبه. رد قائلا بنبرة رصينة محايدة. باردة: إذن قدمى البرهان. البرهان؟ أى برهان وكيف؟ إستطرد قبل أن يخرج السؤال من بين شفتى: أرينى مدى قدرتك على الإحتمال من أجلى، ولتعلمى منذ البداية أننى لاأقبل الجدل ولا المُساءلة، ولا أحِبُ أنصاف الحلول، وأتوقع ممن يرغبون فى الإنتماء لى أن يتنازلوا عن كل شئ من أجلى، حتى الحياة نفسها إن إقتضى الأمر. قلت له اننى سأفعل. هل عنيت حقا ماقلت؟ ربما … وربما لا.
فى طريق عودتى، فوجئت بمجموعة من الرجال يقفون عند عتبة دارى. رؤسهم صغيرة، ولكل منهم عين واحدة. هل كانوا فى إنتظارى؟ قبل أن اُخمن بالإجابة، تحلقوا حولى برشاقة. جرجرونى – رغم مقاومتى – الى الميدان، وانهالوا على جسدى ضرباً وتمزيقاً بالسياط فى وحشية. فقدت الوعى، وعندما افقت، فوجئت به يقف بعيداً، ويتأملنى فى إستعلاء. إبتسم لى إبتسامة غامضة ثم تلاشى. هل تلاشى؟ لاأذكر. ربما أنا التى عدت إلى الإغماء ثانية. لاأدرى، كل ماأدريه يقينا أنها كانت مرتى الأولى التى أراه فيها. الأولى، وبعدها أصبح طبيعيا أن يأخذونى كغيرى – الى الميدان، ويتبادلون جلدى حتى أسقط تحت نعالهم..
ومرت الأيام…
أحيانا كان ينسانى لشهور.. ربما سنين، وماأن يتذكرنى حتى يرسلهم إلىَّ. أنا بدورى كنت بمجرد أن أراهم عند بابى أستسلم، وأذهب معهم، دونما كلمة احتجاج واحدة. ربما لأننى أعلم بالنتيجة مقدماً. ربما بقايا كبرياء، وربما لأننى تعودت… لاأدرى.
آخر مرة. بعد أن تركونى منطرحة على أرض الميدان، وانصرفوا، انحنى علىَّ أحد المتفرجين تلفت حوله فى خوف، وبعد أن إطمئن لخلو الساحة مد يده وساعدنى على النهوض. قال وهو يسندنى بحنان: إنتظرت طويلا حتى أفقت..
تأملت عينه الكابيتين فإستطرد قائلا: لكم أنا حزين ياابنتى المسكينة.
لم أكن أعرفه، لهذا ادهشنى أن يُغامر بالإقتراب منى، أدهشنى أكثر أن يعلن حزنه من أجلى. وددت أن اسأله لم أقو… هو إستطرد قائلا: مايحزننى ليس جلدك، فكلنا…
لم يكمل. أشاح بوجهه، وعندما استدار إلىَّ ثانية كانت ثمةَّ دموع تلمع فى كبرياء بين مآقيه. تماسك بصعوبة قبل أن يتابع قائلا؟ مايحزننى هو أنك إنتهيت فعلا. بعد الآن ستعيشين الموت الكامل…
نظرت اليه بغباء فأكمل مفسراً بعد أن أًغمى عليك، تحلقوا حولك. رأيتهم بعينى يشقون صدرك ويخرجون شيئا كان يلمع بين أيدهم كلؤلؤة. لقد سرقوا منك الشئ الوحيد الذى كان يمنحك القدرة على الحلم..
حدقت فيه ذاهلة. لم أصدق. مددت يدى، ونزعت قميصى لأتأكد. كان ثمة جرح جديد لم تتخثر دماؤه بعد. شهقت فى يأس لاأذكر أننى إشتهيت الموت، كما إشتهيته تلك الليلة. وفعت رأسى وغغمت للرجل فى ذل: لماذا؟ قلت له إننى أحبه, فلماذا!
وكما أقنعت نفسى بأن الجلد قدرى – كما هو قدر كل سكان مدينتى – حاولت أن أقنع نفسى بتقبل وضعى الجديد. لم أستطع. بدأت مع تكرار المحاولة، وتكرار الفشل أتضاءل. أتحول إلى كائن هلامى. إلى دودة محاصرة داخل علبة زجاجية، تطل على العالم فى بلادة من خلف عالمها الزجاجى.. دودة: ترى. تسمع. تأكل . تتناسل، إلا أن كل ما يحدث خارج عالمها لايخصها. أحيانا، وللحظة وعى خاطفة أتوهم أنه يخصنى، وعندما يحدث ذلك أشعر كما لو أن قوة ماتعتصر قلبى فى قسوة، وأموء كهرة إفترسوا وليدها أمام عينيها.
ذات ليلة، زارتنى شقيقتى. عشرون عاما منذ افترقنا آخر مرة. فرقتنا رصاصة طائشة إخترقت الجمجمة وجندلتها فى لحظة على الأرض وهى تحفر التراب بأظافرها فى ألم، وإنقلب العرص إلى مأتم. هرب شقيق العروس ببندقيته وقُيد الحادث ضد مجهول، بعد سنة ظهر القاتل فى الحى من جديد ليمارس – وبشكل عادى – تجارته القديمة، كقواد وأكبر تاجر للمخدرات.
اندست شقيقتى فى فراشى،وضمتنى بحنان، دون أن تنبس بحرف. قبل الفجر انسلت بهدؤ: امسكت بطرف ثوبها خذينى معك لاتتركينى هنا فأنا لم أعد حتى أنتمى لنفسى. لقد حولونى لخفاش. جنس ثالث. عندم ستكون لى هوية. لم لا؟ على الأقل لن يبحث عنى أحد ليجلدونى.
تحسست شعرى وتساءلت بحنو: لم لاتفكرين بالهجرة؟
: لأين…؟
: أى مدينة مجاورة
:يخافونه، وليؤكدوا الولاء له سيلقون بى فى قيعان الأودية لتنهشنى النسور حية
تحيرت قليلا ثم قالت: جربى أن تصرخى، وبأعلى صوتك. ستتحرر روحك وتصبحين أفضل، وإذا فشلت جربى الصلاة، واركعى لسيدك.
أصرخ؟ أنا؟ واذا سمعنى؟ إستطردت، كأنها قرأت افكارى:
:عند حدود بلدتنا شاطئ مقدس، لم ولن تطؤه قدم سواك. ثمة شجرة مباركة، تقع فى إتجاه القبلة أسهر عندها كل ليلة واقرأ الأذكار. اذهبى إليها وجربى. ستحدث المعجزة، وتُعاد لك قدرتك السلبية. ستخترقين الحاجز الزجاجى.
وذهبت..
إستمرت رحلتى خمس وثلاثين سنة. رغم الأهوال تجلدت، وعندما وصلت إلى الشجرة المباركة جلست لأرتاح. بعد لحظات إكتشفت أننى سعيت لراحة البدن، بينما أشقيت روحى بما لايطاق. كانت حدقتا عيناى مفتوحتان عن آخرهما تتأملان البحر والأمواج، بينما أحداث عمرى كله تتجسد لى يوماً بيوم. ماأبشع أن تكتشف فجأة حقارة السلالة التى تنحدر منها. أى أسرة تلك التى أنتمى إليها؟ الجد قرصان, والأم امرأة لعوب قبلت أن تكون عشيقة لجلادى بحجة التأثير عليه كى لايتعرض لى. حتى أبى الصالح هام على وجهه مخلفا ورائة إشاعة تقول بأنه سيرجع فى الوقت المناسب ليبحث مشكلتى. شريط عمرى كله يتوالى أما عينى. أهو جلد من نوع آخر ام تراه التطيهر.
فجأة لاح لى بإبتسامته الغامضة. لم أحتمل وإنتفضت واقفة. صوت شقيقتى يرن داخلى مُحرضاً:
"أصرخى، وبأعلى صوتك، واذا فشلت.." لاياحبيبتى، لن أفشل.
سأصرخ، وستخرج مع الصرخة كل أحزانى الصدئة. سأصرخ ملأت صدرى بالهواء، وتهيأت لأطلاق صرختى البكر. جبنت . كررت المحاولة. جبنت. كررت جبنت درت حول نفسى فى غضب ثم إنكفأت على بطنى أمرغ وجهى فى الرمل البارد وأدق الأرض بكلتى راحتى فى غيط: لماذا؟ كان الشاطئ خاليا إلا من طيور النورس فلماذا جبنت؟ لماذا؟ حانت منى التفاتة إلى الوراء. ثمة كلب أسود بدا عليه الإرهاق، يرقب فى دهشة أفواج الأسماك الصغيرة وهى تقاوم عبثاً اندفاع الموج العاتى. كلما إرتفعت موجة القت بمجموعة على الرمل، وبسرعة تأتى موجة أعلى تسحبها للداخل ثانية لايبقى مكانه إلا السمك الميت. من جاء بهذا الكلب الى هذا المكان ليدنسه؟
بدا أن الكلب قد فوجئ بى، كما فوجئت أنا. تأملته بقرف، فنبح فى وجهى بأعلى صوته. إستفزتنى قدرته على النباح. إنحنيت على الأرض لألتقط حصاة أرميه بها. كمن خمن ماأنتويه ضده رمقنى فى إزدراء، وإستدار راجعا وهو يهز ذيله فى لامبالاة! إستفزتنى النظرة أكثر من نباحه العالى. صوبت فى إتجاهه ورمبيته بالحصاة، الا أنها أخطأته واستقرت بعيدا عنه..
المساء يزحف ببطء، ومشوار العودة طويل، وممل. تذكرت أن ثمة راديو صغير فى جيب معطفى. أخرجته، وإحتضنته بفرح. حيرتنى فرحتى، أدهشتنى. هذا الشئ الصغير الذى أمسك به بين أصابعى الآن أخرجته من دائرة اهتماماتى منذ زمن طويل، فلماذا فرحت به الآن؟ هل تتغير نظرتنا للأشياء بتغير الظروف ربما.. أو ربما هو إحساسى الداخلى الخاص بأننى فى هذا المكان بيدى أن أختار القناة التى تروقنى. أى قناة فى الدنيا أو محطة لاأسمع فيها إسمه، على مدار اليوم كله. فى مدينتى يفعلون ذلك مما جعلنى أقاطع كل الاجهزة السمعية والمرئية على حد سواء بعد أن اكتشفت أنهم يسربون أخباره حتى فى برامج الاطفال. إمتدت أصابعى تفتش عن محطة ملائمة. أى شئ يغسلنى من الداخل ويُعيد لى توازنى. تمثيلية .. أغنية .. أى شئ، المهم أن أتجاوب، وأكف عن التفكير فيما أنا فيه. أول محطة إستجابت لأصابعى. إنبعثت منها موسيقى حلوة, لطالما أحببتها لتشايكوفسكى. قطع اللحن صوت فخور متباهٍ يقول فى كبرياء: "شمس العرب على الغرب" برنامج مـ …. أدرت المؤشر بسرعة. أمى ينادونها بشمس، وأنا لااريد شيئا يذكرنى بها. هربت أصابعى لقناة أخرى. صوت هادىء ينساب ببضع كلمات رقيقة من الشعر. الشعر مقتلى. ترى لمن الكلمات؟ قبل أن يكمل البيت الثالث نطق باسم الشاعر. جلجلت ضحكاتى وتردد صداها فى المكان الخالى على الشاطئ. توقف الكلب واستدار ناحيتى مندهشاً. قلت له بمراره: لو أتيح لك أن تفهم لضحكت مثلى. إنهم يتحدثون عن جدى! طالما تحدثوا عنه كفارس نبيل لم تُخذَلْ له ضربة رمح، ولكنهم الآن يتحدثون عنه الآن كشاعر؟ جدى أنا شاعر! هذا العربيد الذى ماإهتزت جوانحه الا بعشق الغلمان شاعر!!!! لم يعبأ الكلب بى. انصرف بتؤدة وهو يهز ذيله. عادت أصابعى تفتش عن قناة أفضل "وانا ذنبى ايه بتخلص فى لـ…" كيف لم أفكر بذلك من قبل! لعله هو أيضا يتعرض للجلد.. "صابر على الذل و…" … فجأة نبح الكلب. ضحكت بمرارة. ثمة كائن تجاوب أخيرا (!) صمت المغنى فجأة. سادت لحظة صمت أعقبها صوت خشن قال بصرامة: بيان موجه الى سيدة الشاطئ "يسرنا باسم سكان مدينتنا الشرفاء أن نُعلن عن عفونا الكامل عن السيدة التى تعرف نفسها، نعلن عن قبولنا لأن تنتمى الينا بعد عودتها لتحيا فى مجتمع الرفاه والعدل المطلق" برعب بلا حدود له أغلقت الراديو وتلفتت حولى. مامن أحد :إلا الكلب. أتراه يعنيى أنا؟ العفو يعقب إرتكاب الذنب، فما ذنبى الذى أرتكبته؟ لماذا أغلقت "الراديو"! طبعا موقف هروبى! .. يجب ان أفتحه من جديد فربما أعادوا البيان. أو ربما علَّق أحدهم عليه. من خلال التعليق ربما يتاح لى أن افهم سر هذا البيان الغريب. عدت الى الإصغاء من جديد. كان هناك تعليق بالفعل: "… هذا وقد كان على سيدة الشاطىء أن تتعمق قليلا فى رسالة شقيقتها. قالت لها عند حدود مدينتنا، ولم تسألها أى مدينة. مدينتكم أم مدينتنا؟ قالت لها أصرخى، وكان يتحتم عليها أن تدرك بداهة أن من اعتاد الهمس لن يقوى على الصراخ أبداً .. وقالت لها إن فشلت إركعى لسيدك، ونرجو أن تكون قد عرفت الآن من هو سيدها الذى ينبغى أن تركع له.. ان …"
"هذه الكلمات موجهة الى! كل كلمة تنطبق على وحدى.. وهذا الصوت أعرفه، كيف؟ المحطة ليست تابعة لمدينتى. لابد من تفسير ما! أيعقل أن تعمل كل القنوات لحسابه الخاص؟ لابد أن أركز قليلا وأتذكر اين سمعت هذا الصوت من قبل إنه هو. نفس النبرة الباردة الرصينة. أيعقل أن يقرأ بنفسه البيان؟ حتى بعد أن إنتهى التعليق عاد يذيع بنفسه نشرة الأخبار: "… وتقول رويتر أنه قد تخلفت عن المذبحة التى خطط لها ونفذها العدو الآف القتلى والضحايا معظمهم من النساء والأطفال" ضحايا؟ مرة أخرى؟ ضحايا ياأولاد الـ…، وبلا وعى طوحت بالجهاز الصغير فى الهواء، ليستقر فى أعماق الخليج عند الشجرة بالضبط، ثم تابعت سيرى وحيدة إلا من نباح الذى ظل مصرا على أن يتقدمنى طول الوقت. عند نهايةالشاطئ توقفت. التفت خلفى لألقى نظرة أخيرة على المكان ثم تابعت السير. فجأة توقف الكلب. تمسح بأقدام رجل بدا لى أنه حارس الشاطئ. هيئته من الخلف. ذقنه البيضاء الذى ظهر لى جزء صغير منها تدلان علىالمهابة والجلال. عندما حازيته التفت اليه فى وجل لأحييه إلا أننى بمجرد أن التقت عينانا عدوت هاربة، وكل خلية فى جسدى تتقيئونى. كان قواد مدينتنا. قاتل شقيقتى، وكان بعين واحدة!".
فى مواجهة الحائط
عشر سنوات مرت، منذ رأيته آخر مرة. ها نحن نلتقى مرة أخرى، كل فى مواجهة الآخر.. أنا، وهو و… ثالث ليست لديه أى فكرة، عماجمَّعنا وفرقنا، ذات يوم التقط، بوضوح، بعض كلماته، ويضيع منى بعضها الآخر.. كجهاز "تلفاز" خرب، تختلط فى ذهنى الأحداث والمواقف. أفكر لثوان فى أشياء ليست لها أى علاقة بالموقف الغريب الذى أواجههه الآن.
يقول متحاشيا النظر الى: طالت غيبتكم، وإشتقنا اليكم..
يرد أخى، دون أن تفارقه إبتسامته: هكذا أراد لنا الله.
يصمت أخى لحظة ثم يردف مفسرا: فى الواقع، وجدنا الراحة هنا والإستقرار أيضا. نوال بعد ان مات زوجها، كان لابد أن تكون فى رعاية أحد. طلبت منها أن تجىء، لتعيش معى، فهداها الله .. ووافقت. الحياة هناك أصبحت صعبة، وكان من المستحيل – لكلينا – أن تستمر.
والحمد لله.. يابنى، اتضح أن الدينا هى التى تسيرنا، لانحن.
علق جلال قائلا بحزن: أكاد أنكر فيك عادل الذى عرفته. أين عادل الذى كان يردد دائما "نحن الذين نخلق الشمس" .. نسيت؟
يرد أخى بمرح مفتعل: كان طيشاً ياابو "الجلاجل" عِقِلْنَا، وفهِمْنَا.. وعرفنا انها بنا، أو من غيرنا، طالعة.. طالعة
:إذن ليست عيوننا هى التى تجعلها موجودة؟
:كلام، كنا مغرورين.. حتى الأعمى، يعلم أنها موجودة..
ألله!! مالزوم الفلسفة. هل نحن الذين خلقناها. تطلع.. تنزل هى حرة ياأخى
يتساءل من كان حبيبى يوما: المهم ماهى أخبارك؟ مما قرأته فى الصحف.
من الصحاب الذين يعملون هنا – عندما ينزلون مصر فى الصيف – عرفت أنهم بدأوا يشعرون هنا بقيمتك. صحيح؟
يرد أخى فى لامبالاة: يعنى .. مع الوقت يمكن للإنسان أن يأخذ مكانه.
دخل إبنى احمد، والتصق بأخى الذى إحتواه بإحدى ذراعيه فى حنان، قائلا:
: ماالخبر. نسيت عمو "جلال" يالك من خائن صغير.
تملص صغيرى خجلا وهرع لأحضانى، وعاد جلال يقول متسائلا:
: وانت، ألم تنو بعد؟
رد أخى، وقد فهم مايرمى اليه: لا. مالذى فعله الزواج للذين جاوءا قبلنا وتزوجوا… حدوته ليس لها أى معنى إما ان تكون فنانا، أو زوجا وأبا عطوفا طيبا .. الإثنان معا، مكابرة لاداعى لها.
رد، وكأنه يدافع عن نفسه: مهماطال الزمن، لابد للرجل أن يصبح اباً فى يوم ما
يرد أخى بسرعة: ومن قال لك أننى لست كذلك، الآن. أنا أب ممتاز، والله العظيم .. اسألها.
يختلس جلال الى، والى صغيرى، نظرة مترددة قصيرة، ويخيم صمت يقطعه أخى قائلا:
كيف حال إحسان وزوجها وأولادها وباقى اخوتك .. وكيف حال عايدة زوجتك وبناتك .. سمعت إنك اتحفت البشرية بـ…..
يقاطعه جلال، مكملا فى إقتضاب: بنت. أسموها نهاد.
يعلق أخى مازحا: "خلفتك" كلها بنات "ياجلجل" .. يبدو أن مافعلته فى بنات الناس، سيكون فى إنتظارك. أتعلمين يانوال. هذا الملعون كنا نسميه أيام الكلية "الحدأة". كنا نخاف منه, ونعمل لوجوده ألف حساب، ويحرص الواحد منا ألا يريه فتاته، إلا بعد أن تنتهى الأمور تماما، ويضع النقاط على الحروف.
تنفلت حواسى منهمامعا. أنسحب الى داخلى، لأفكر فى الآخر، رغما عنى. "ترى ماالذى يفعله الآن؟ هل ضايقه غيابى؟ لعل بعادى أراحه، وأراحها. لعله انتهز الفرصة، وصالحها. آه، لو يتاح لى أن أعرف سر هذا الذى يربط بينهما. هناك شئ ما مؤكد، لكنى لاأفهمه! شىء يحرص على إخفائه. لماذا؟ لم أجبرُه على شىء. هو الذى بدأ: زهرة القرنفل التى كان يحرص على تركها فوق مكتبى كل صباح. نظراته الصامتة التى كانت تخاطبنى بلغة كدت أنساها منذ زمن. وجهه، الذى يحتقن، كلما توجهت بكلماتى لزميل آخر.. يتهامسون فى المؤسسة، كلما لمحوهما معاً.. زميلتى فى المكتب تعمدت وهى توصلنى بسيارتها الى بيتى أن تنحرف الى أحد الشوارع الجانبية، وتتوقف أمام بناية معينة، وهى تبتسم بخبث قائلة: انظرى. سيارة من هذه؟
كانت سيارته هو. أما البناية فقد كانت البناية التى تقطنها هى. بعد أن واصلناالسير قالت يومها إنه يقضى معظم الوقت عندها.
ورغم النار التى إندلعت فى قلبى، تماسكت، وقلت ببراءة: لاداعى لأن نُسىء الظن بامرأة متزوجة. من أدرانا. لعله صديق لزوجها. لعل هناك صلة قربى لاندريها.. ربما.
أفقت من أفكارى، على صوت أخى يقول مستنكرا-:
نوال، ماالخبر؟ جلال يتوجه اليك بالكلام، لفم لاتردين عليه؟
:أنا؟ افندم.
يكرر السؤال ببطء. عيناه مثبتتان فوقى. أتصدى للنظرة، وكأنى أتحداه. يأتينى الصوت المتسائل:
كنت أتساءل متى تقررون العودة الى مصر.
:وماالذى يجعلنا نفكر فىالعودة اليها. لم يعد لنا فيها شىء.
بمجرد أن أنهيت عبارتى شعرت – بينى وبين نفسى – بالإنزعاج. أأنا فعلا التى تكلمت الآن. وبهذه القسوة، وهذا الجفا. أنا؟. من كان يصدق أن يأتى يوم أتصرف فيه – معه بالذات – على هذا النحو.. من؟ هو لاحظ أن ثمة تغيير ما طرأ على فقال بحنان: أبدا، والله. لكم فيها الكثير.
كل مافيها يحن اليكم.
أخى يربت على إحدى فخذيه، قائلا، بإمتنان: هذا مايقوله الصديق الواقع يقول غير ذلك. غادرتهم، لألوذ بغرفتى فى رعب ".. ماالذى يريد أن يقوله بالضبط؟ وماالذى أتى به الآن؟ بعد كل هذه السنوات. غريبة هى الحياة! أنا التى اسأل عما أتى به الآن. بعد كل ه
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |